بقلم أحمد رائف من كتاب وتذكروا من الأندلس الإبادة
[1]
خرج موسى بن أبي غسان من اجتماع الملك بقصر الحمراء حزيناً مهموماً, وأسرع إليه غلامه وقد أمسك بلجام بغلته, وقد وضع تحت سرجها غطاء من الصوف ليحميها من شر البرد, في تلك الليلة العجيبة التي بدأ بها العام.
وطلب موسى من غلامه أن يذهب إلى البيت, وسوف يلحق به بعد قليل, ورضخ الغلام لطلب سيده وهو يتعجب من أمره, كيف يفضل السير في هذا البرد القارس, والناس جميعاً تسارع بالإختفاء في المنازل والبيوت.
وأخذ موسى طريقه مغادراً وهو يرد تحية الحرس الذين انتشروا في الساحة وحول البوابات, فالكل يعرفه ويحبه, فقد كان القائد المظفر حتى تلك الليلة التي تم فيها التوقيع على المعاهدة, وكان من طلبات الملك فرناندو أن يعزل موسى بن أبي غسان عن قيادة الجند, واستجاب أبو عبدالله الصغير.
وكان الجيش القشتالي قد لقى العنت والإرهاق من هجمات موسى بن أبي غسان المباغتة, في ليال لا يتوقعونه فيها, فيخرج إليهم في كتيبته, فينال منهم ثم يعود وتغلق البوابات, ثم يفكر في هجمة أخرى قربية بظل يخطط ويرتب لها حتى تحدث.
وكان يحرص على نقل الجرحى من جنده إلى المدينة, ويظل يزورهم في بيوتهم حتى يشفوا, أو يكون على رأس الجنازة إن رزق واحد منهم الشهادة, ولا يزال يتفقد أبنائهم وبناتهم ويسأل عن أحوالهم, ويعطيهم من حر ماله, أو يتوسط لدى الملك فيقدم لهم من المساعدة مالا يقدر عليه هو.
كان موسى أحب الناس إلى قلوب أهل غرناطة, يعرفه الصغير والكبير ويوقرونه ويحسبون له كل حساب, وكان هذا يثير حفيظة الملك أبي عبدالله الصغير وغيرته. ولم يكن ثقدر على الإستغناء عنه عندما كان يرفع لواء قتال القشتاليين, فموسى هو القائد المظفر, وهو أدرى الناس بقتال الليل, وقد أتقن تدريب جنده على هذا, أما بعد معاهدة التسليم فلم تعد له فائدة, بل قد يضر وجوده بالتأكيد, فهو الوحيد الذي رفض المعاهدة, وعندما سألوه عن البديل لها قال لهم: الموت الشريف والشهادة في سبيل الله.
وكان الملك فرناندو يعرف طبيعة موسى بن أبي غسان, وقد أرسل إليه رسلاً كثيرة يغريه بالمال والثروة, ثم عرض عليه ملك غرناطة, وأن يساعده في خلع أبي عبدالله الصغير, ولكن الرجل أبى ورفض كل هذا, ولم يقبل حتى مناقشته. واستمر يذيق الجيش القشتالي الأهوال, ويلحق بهم الخسائر طيلة العام الذي سبق توقيع المعاهدة.
كان يغادر القصر وأفكاره تعذبه, فهو قائد جيش لم يهزم, وفرض عليه التسليم وتحطيم السيف أمام القوة الباطشة, لم يسمحوا له بشرف الجهاد مع جيش قادر عليه. وهانت عليهم تسليم بلادهم, وضاع معنى الدين في قلوبهم, وهو فرد لا يملك إلا نفسه وسيفه ودرعه وحصانه. وفي الجانب الآخر من المدينة خارج الأسوار عند نهر "شنيل" يقف القوة النصرانية ويعلو معسكرهم صليب "شانت يعقوب", وما عجزوا عن أخذه بالسيف والقتال سوف يأخذونه مع الصباح, ودفعوا في سبيل هذا كلاماً قل أو كثر, قالوه أو كتبوه, وأعلنوا بعضه وأخفوا البعض الآخر, قد أنهزم المسلمون دون قتال, وهم يحلمون بسراب كاذب وبعهد من الرخاء, سوف يبدأ بعد تسليم غرناطة, آخر معاقل المسلمين في بلاد الأندلس.
لم يدر لماذا آثر السير على قدميه في هذا الصقيع عبر طرقات المدينة, وكأنما أراد أن يعاينها وهي شريفة نظيفة لم يجللها عار الإستسلام, أو أراد أن يتزود منها قنظرة وداع قبل صباح قادم بعد دورة ليل ليس للشرفاء فيه مكان.
ولم تكن لديه خطة أو فكرة مبينة غير عزم قاطع أنه لن يشهد التسليم.
هل يأخذ طريق "مالقا" في هذا الليل حيث السفن تعبر به إلى بلاد المغرب, ومن هناك يستنفر المسلمين؟ لقد صارت "مالقا" وكل بلاد الأندلس تحت يد النصارى, وسراياهم تملأ الطريق, وهم قد أكثروا من إرسال السفارات إلى كل بلاد المسلمين يستنجدون بإخوانهم بلا فائدة, فالكل في شغل شاغل بحربه مع إخوانه من جيرانه, وليس لديهم من يفكر في هذه الأرض السليبة, التي كانت تتبدد مع قطرات الليل المتساقط عبر الكون, مؤذنة بصباح مر عصيب.
لم يكن موسى يفكر إلى أين يذهب على وجه التحديد, فقدماه تعرفان الطريق إلى منزله حق المعرفة, ولكن هل هذه هي وجهته؟ ربما, فهو لا يعرف.
كان نهر "حدره" يخترق المدينة من الشرق, عند سفح الهضبة التي يقبع بها قصر الحمراء, ثم يتصل بنهر "شنيل" عند القنطرة التي بناها المسلمون الأوائل, ومن ثم ثخترق المدينة في عظمة وجلال, يتبددان في ذهن موسى الحزين المغرق في الوحشة والكآبة.
ووقف فوق القنطرة ودقق النظر, ليبصر جانباً من الأسوار التي تقع مقربة منه, ومن بين الظلام إستطاع أن يبصر البرج القريب, ولم يكن به أحد من الحرس, فالبرد شديد, ولا جدوى من حراسة مدينة سوف يسلمها أهلها إلى الأعداء عند طلوع النهار. هز الرجل رأسه في أسف, وعاود السير قافلاً, ووجهته ربض "البيازين" حيث يقيم البواسل من المجاهدين.
صار موسى يضرب في الليل من جنوب المدينة الغربي إلى ناحية الشمال حيث قرر أن يذهب, والبرد يجمد الأطراف, والوحشة تملأ النفس. وتجازو قنطرة "الدباغين" مسرعاً, فالليل لا يرحم, وهو يأخذ طريقه إلى الأبد وبلا عودة, وكأن الرجل في سباق معه, ولو استطاع لأمسك بخناق الزمن ليمنع الليل من الذهاب. اجتاز موسى بن أبي غسان قنطرة "العادل" وقنطرة "الفرازين", مرة يسير على شرق النهر, وأخرى من الناحية الغربية منه,حسبما يعرفه من مخاوف الطريق أو سهولته, وفي سرعة ليبعث الدفء في نفسه, صار يخترق الأزقة الضيقة, وهو يختصر الطرق إلى ربض "البيازين", ومر على جامع "التوابين", ثم سار بحذاء القصبة القديمة, حتى صار في قلب المكان الذي يريد, فهاهو جامع "البيازين", وهذه هي الساحة الكبرى, وكان يقطع الصمت نباح يأتي من بعيد, لكلاب لا يراها أحد.
كان يريد أن يجمع جنده من البيوت, ويخرج بهم إلى الأسوار ويمنع تسليم المدينة في الصباح, وامتلأت نفسه حماسة وأملاً, وطرق باب الرئيس عبدالله الشيخ, وكان من خيرة معاونيه, ومن أحسن جند غرناطة المقاتلين.
وفتح الباب في لهفة وسرعة, ورأى الصبية والفتيات, وفي أيديهم القناديل كأنما ينتظرون من يطرق عليهم. ثم علم أن الرئيس عبدالله قد خرج ليأتي بالطبيب لطفلة مريضة له قد اشتدت بها العلة.
[2]
عاود موسى مرة ثانية إلى منزل الرئيس, وما أن إقترب من البيت حتى سمع أصوات العويل والنواح, وسرعان ما عرف أن الصبية ماتت, ولم يستطع الطبيب لها شيئاً.
وبعد أن قدم العزاء للرئيس عبدالله, قال له:
- كلنا سنموت, ولكن ينبغي علينا أن نموت دفاعاً عن غرناطة.
- ما الذي يقصده سيدي القائد؟
- نجمع المجاهدين من حي "البيازين" ونحرج إلى محلة فرناندو فندهمها, إما أن نردهم عن مدينتنا أو نموت شهداء.
وتأمله الرئيس عبدالله قليلاً قم هز رأسه وأردف"
- قد فات أوان هذا أيها القائد.
- ليس للموت أوان يا عبدالله.
- أتكلم عن رد الأعداء وقتالهم في محلة فرناندو.
- و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ